الحكيم الترمذي
71
غور الأمور
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ « 1 » . ألا ترى أن العين لنوره لا يبصر شيئا ، حتى يؤيد بنور المدد ، ليلتقيا بنوريهما على الشئ ، فتبصر الأشياء . فنور العين نور المعرفة متمكن فيها ، وهو النور الذي وضع في آدم ، ونور المدد النور الميثاقى من الحلال . وهو نور النار ، أو السراج . فما لم يلتقى النوران على العين لم يبصر الإنسان الشئ فكذلك ما وصفنا . ألا ترى أن إبراهيم خليل اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما نظر إلى الكوكب والقمر والشمس قال هذا ربى ، فلما استعمل الخمسة الأشياء ، واستدل بما كان عنده ، ولم يتفق ، ولم يشاكل ، نفاه فقال : لا أحب الآفلين « 2 » . وتزامن كل واحد منهما ، ذلك أنه لما وقع بصره على النور . ظن أنه نور ربه فقال هذا ربى ، فلما استدل بما كان عنده من النور المقاديرى الرباني والنور الميثاقى المؤيدين ، واستعمل قدحه الذي ذكرنا لم يعمل شيئا ، وتلاشى ذلك النور في جنب ما كان عنده ولم يتشاكلا ، ولم يدلا على ربه كما دل الأولان ، ولم يعتل « 3 »
--> ( 1 ) سورة الزمر / الآية 22 . ( 2 ) يشير الشيخ رحمه اللّه إلى الآيات الكريمة في سورة الأنعام من 75 إلى 79 ، وهي قوله تعالى : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . ( 3 ) اعتل الرجل ونحوه : مرض . واعتل بالأمر : تشاغل وتلهى . ويريد الشيخ أن يلمح إلى إحدى صور مرض القلب ، وهو اعتلاؤه ، بتشاغله بالدنيا وزخارفها .